عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
224
طبقات شعراء المحدثين
الأصاغر يقصدونه ويمدحونه ، فيعطيهم ويصلهم ، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم . وقدم مرة شاعر على عبد اللّه يقال له روح من البصرة ، فامتدح عبد اللّه بقصيدة ومدح عوفا بأبيات ، وقد أنزله عنده وأحسن إليه ، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة جدا ، قال أنشدني ما قلت في الأمير - واستدل بما سمع على ضعف نمط الرجل - فأنشده . فقال : لا توصلها إليه ، فإن الأمير بصير بالشعر ، وهو يقول منه الجيد القويّ ، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعا ينفعك ، ولكني أقول فيه مدحة فانتحلها والقه بها . فأبى ، وظن أنه يقول ذلك حسدا ، وكان الرجل رقيعا « 1 » لا يفطن لعيب نفسه ، فقال له : فشأنك إذن وما تريد . فأنشد روح قصيدته عبد اللّه ، فقال له : بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك ؟ أيقبل مثل هذا حرّ ؟ وردّها عليه ، فصار إلى عوف وشكا إليه ، فقال له ألم أنصحك ؟ ألم أقل لك : إنه لا يقبل مثل هذا الشعر ؟ فلما دخل عوف على عبد اللّه قال : ويحك يا أبا محلّم ، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا ؟ قال عوف : بلى ، أعز اللّه الأمير ، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل . وفي ذلك يقول عوف : أنشدني روح مديحا له * فقلت : شعر ؟ قال لي : فايش « 2 » فخلت لمّا أن بدا منشدا * كأنني في قبّة الخيش فقلت : زدني وتغنّمته * والثلج في الصيف من العيش وممّا يستحسن لعوف ويختار له من شعره - على أنه كلّه مختار ليس فيه بيت ساقط ولا ناقص - : وكنت إذا صحبت ديار قوم * صحبتهم ونيّتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم * وأجتنب الإساءة إن أساءوا وأبصر ما يريبهم بعين * عليها من عيونهم غطاء وممّا يختار له قوله : وصغيرة علّقتها * كانت من الفتن الكبار كالبدر إلا أنّها * تبقى على ضوء النهار
--> ( 1 ) رقيعا : وفي رواية رفيعا . ( 2 ) فايش : فأي شيء هي .